مارس 7, 2009
كي يرون بعضهم…شرط الحرية
عبدالله المطيري..كي يرون بعضهم…شرط الحرية
وحدها الحرية، تجعل من الناس مرئيين كما هم. وحدها تجعل الناس يبدون كما هم عليه، فهي نقيضة الأقنعة والتمثيل والشخصيات المتعددة، الحرية نقيضة عمل الستر المستمر الذي يجعل الفرد في النهاية غير مرئي. العمل الذي يجعل منه ممارسة تزييف مستمرة في شكل إنسان. يجعل منه شكلا صارخا من الخطأ والإشكال. في ظل هروب الحرية واختفائها من المجال العام في بلد ما فإن الرؤية تنخفض بشكل كبير جدا لدرجة أن الإنسان لا يرى الآخرين من حوله بل لا يرى نفسه ذاتها باعتبار أن الحرية هي الشرط الذي يجب أن يتوفر كي نرى بعضنا البعض. للأسف أن المساحة التي يعبّر الإنسان فيها عن نفسه هي مساحة محكومة بقانون عام تاريخيا غابت عنه الحرية كثيرا، قانون بين الناس، يتجسّد بقوّة في تجربة الأسرة الأولى ثم يتمثل في تجربة الحياة الباقية من خلال المجتمع ككل. وللأسف أيضا أن هذه المساحة هي التي يستطيع من خلالها الإنسان العيش في ذاته ومع ذاته. التربية التي يخضع لها الفرد، أي نمط العلاقات التي يتشربها الطفل منذ البداية بينه وبين الآخرين، وبينه وبين الأشياء وقبلها بينه وبين نفسه هي العملية المعقدة التي تسفر عن ذات متشكلة تمارس حياتها مع الآخرين. وبحسب عملية التشكيل الأولى فإن المساحة العامة، التي يتشاركها كل الأفراد، تصبح مسرح العرض الذي يتحقق فيه الأفراد ويعرضون أنفسهم. قد يكون العرض عبارة عن أقنعة متحركة، متشابهة تخرج على المسرح لتقول إنها غائبة وغير موجودة، وقد يكون المسرح مساحة للانكشاف والظهور… يمكنني أن أقول إن مسرحنا، حياتنا العامة، هو مسرح الأقنعة والستر والإخفاء إنه مسرح منخفض الإضاءة إلى حد كبير ووحدها الحرية يمكن أن تمثل الإضاءة التي تكشف أن الأقنعة متشابهة وأن الاختلاف غير موجود، أي أن الأفراد غير موجودين، وحدها الحرية تستطيع أن ترفع الأقنعة لنبدأ نتعرف على بعضنا من خلال اختلافنا وتنوعنا وتعددنا. لنكتشف أننا لا نشبه بعضنا ولكننا يمكن أن نحب بعضنا ونعيش مع بعضنا. مع الحرية تتحدد الحدود وتتضح بجلاء الخطوط الفاصلة بين الأفراد، مع الحرية يعود الأفراد أفرادا بعد أن كانوا غائبين وسط خليط بدون ملامح. منذ التربية الأولى يتعلم الطفل أن يصدق أو يكذب، أن يعبر عن نفسه كما هي أو أن يزيّف حقيقته أمام الآخرين وأمام نفسه. منذ التربية الأولى يتعلم الطفل أن المطلوب منه هو أن يكون شخصا مستقلا صادقا أو أن يكون صورة تتوفر فيها الشروط المثالية التي يطلبها المجتمع. منذ التربية الأولى يتعلم الطفل أن يكون نفسه أو أن يكون شيئا آخر، شيء جاهز للعرض حسب الطلب. منذ الطفولة الأولى وعلى مسرح الحياة يتعلم الطفل أن يكون هو مخرج هذه التجربة المسماة حياة أو أن يكون مجرد ممثل ينفذ كلام المخرج، يبقى ممثلا يؤدي الدور طول حياته لينتهي دون أن يعرف أحد، ولا حتى هو نفسه أن داخل هذا الممثل ذات أخرى انتهت التجربة دون أن تظهر. دون توفر الحرية فإننا لا نستطيع أن نعرف بعضنا البعض، فالأقنعة تحجب حقائقنا. إذا لم أكن قادرا على أن أقول لك بحرية من أنا، أفكاري، مواقفي، رغباتي دون خوف فإنك لن تعرفني. سأستمر في تنفيذ الدور أمامك وأنت كذلك دون أن نتجاوز هذه الحدود وفي النهاية لا نعرف بعضنا البعض. يكثر عندنا أن يتفاجأ الأهل بتصرف معيّن لابنهم أو بنتهم بعد أن مرّ على وجوده معهم سنين طويلة. يتفاجؤون بأنه فنان أو بأنه مبدع أو بأنه حزين جدا … يتفاجؤون لأنه لم يكن حرا معهم، لم يجد الحرية التي تسمح له بأن يعلن عن نفسه كما هي بدون خوف. ما يحصل هو أن الأفراد يحاولون أن يتمثلوا الصورة النمطية السائدة في المجتمع ليسلموا من العنف الذي سيتعرضون له لو أرادوا التعبير عن الاستقلال والتفرد. والمشكلة الكبرى أننا مع تعود عملية التزييف هذه نعجز عن الخروج عنها بسهولة حتى ولو توفرت لنا أجواء الحرية باعتبار أننا نحتاج إلى إعادة تكيّف وإلى مواجهة الحواجز التي أصبحت جزءا من ذواتنا. نلاحظ في أنفسنا ذلك التوتر حين نبتعد عن العين الاجتماعية الرقيبة ونحظى بأجواء الحرية، نشعر بالغربة وبالتوتر والقلق في الممارسات..وحده الوقت الطويل يعيد لنا طبيعتنا من جديد. طبيعتنا الحرة ..أي أن نظهر ما نبطن ..ببساطة. حتى على مستوى الحراك الفكري في المجتمع، فإذا لم تكن التيارات والتوجهات الفكرية تتمتع بأجواء من الحرية العالية فإنها لن تعبّر عن حقيقتها وبالتالي ستبقى غير حقيقية ولن تستطيع التيارات الفكرية التواصل مع بعضها تواصلا حقيقيا بدون أن تشعر بأنها حرة وتستطيع أن تعبّر عن نفسها بدون خوف. إذا لم تتوفر هذه الشروط فإن كل تيار سيلجأ إلى التعبير عن نفسه بطرق ملتوية وغامضة ومتناقضة مما يؤدي إلى فساد منظومته الفكرية من جهة وإلى استمرار القطيعة بينه وبين التيارات الأخرى من جهة ثانية. وكل هذا يعني عطالة للفكر وهشاشة للحركة الفكرية بمجملها. إذا كان الأفراد يمرضون فإن المجتمعات بكاملها تمرض أيضا والعلاقة بين الأمرين متبادلة، فمرض الأفراد ينتج مرض المجتمع والمجتمع المريض ينتج باستمرار أفرادا يحملون نفس المرض. ومشكلة مرض المجتمع أنه يصبح هو الوضع الطبيعي ويكفّ الغالبية عن الوعي بأنه مرض، بل إن الأمراض قد تصبح مع الوقت تعبيرا عن الهوية والذات. بعض المجتمعات مثلا تعتزّ بعصبيتها وتطرفها وتعتبر ذلك لب هويتها، مع أن هذه الهوية بالذات هي المرض القاتل. وبشكل عام يمكن القول إن المجتمعات التي تنخفض فيها مستويات الحرية فإنها باستمرار تكون بيئة مناسبة لكل الأمراض الاجتماعية والنفسية التي يأتي في مقدمتها اختفاء الناس وعدم قدرتهم على رؤية بعضهم البعض.
http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3078&id=9770&Rname=67
ديسمبر 24, 2008
“الحداثة كحاجة دينية”
هذا عنوان لكتاب قيّم ظهر قبل سنتين ولم يأخذ حظه من الاهتمام، للكاتب السعودي الدكتور توفيق السيف، وهو مُفكر إسلامي مُستنير له العديد من المؤلفات التي تضيء أوجه العقلانية في التراث والفكر الإسلامي،
وتجتهد في تجسير الفجوة المصطنعة بين الفكرين الديني والحداثي. تذكرت هذا الكتاب صغير الحجم وعظيم الفائدة وأنا في احتفالية التنوير بالكويت، على هامش الاحتفالية العالمية لعصر التنوير الإنساني، بمناسبة مرور قرنين على انطلاق عصر “الأنوار” في العالم، تلك الأنوار التي أيقظت أوروبا من سباتها الطويل وأخرجتها من ظلمات القرون الوسطى، فانطلق العقل ليكتشف ويبدع ويخترع، ويصنع المعجزات العلمية والتقنية التي غيّرت حياة البشر، وأزالت الحواجز بين شعوب الأرض.
هذه الاحتفالية التي حملت عنواناً جذاباً “التنوير… إرث المستقبل” واجتذبت جمعاً حاشداً من المفكرين والمهتمين بقضايا التحديث والتنوير من الجنسين كانت أشبه بتظاهرة جماهيرية متعطشة إلى عصر التنوير الكويتي الذهبي الذي انحسر بفعل هيمنة طروحات دينية سياسية أو متشددة هادفة إلى قطع جسور التواصل مع الفكر الحداثي عبر تغذية روح الممانعة ورفع لواء المواجهة بدلاً من التفاعل العقلاني النقدي مع الفكر الحداثي.
كان منظم هذه الاحتفالية، مركز الحوار للثقافة (تنوير) بالتعاون مع الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، وهو مركز ثقافي تنويري، أسسته مجموعة من المثقفين الكويتيين المهتمين بحقوق الإنسان وحريات الفكر والتعبير وثقافة المجتمع المدني، وقد استضافوا المفكر الإسلامي الدكتور محمد أركون، صاحب المشروع الفكري الكبير المعني بإعادة قراءة التراث العربي لإبراز النزعة الإنسانية في هذا التراث العظيم، وقد صكّ أركون مصطلح “الأنسنة” لأول مرة عام 1997 فشاع وانتشر بين الباحثين. يقول أركون: “أردت لفت الانتباه إلى ضرورة إعادة التفكير في النزعة الإنسانية الدينية المشتقة من الانتروبولوجيا الروحانية القرآنية”، ويقصد بمصطلح الانتربولوجيا القرآنية “الصورة السائدة عن الإنسان في القرآن، وهي صورة رفيعة مليئة بالقيم الروحية، لكنها لم تكن وحدها السائدة في العصر الكلاسيكي، وإنما انضافت إليها صورة أخرى عن الإنسان نفسه مشتقة من التراث الفلسفي اليوناني والتجارب الثقافية الدينية الخاصة بالهنود والمانوية والزرادشتية وغيرها من تيارات ثقافية متفاعلة (طبقاً لهاشم صالح).
لقد أسِر أركون الحضور بحديثه عن عصر الأنوار، وكيف كان عالم القرون الوسطى في أوروبا. “كان عالماً قلقاً مخيفاً، ينبغي أن نذهب إلى أفغانستان أو بلاد “الطالبان” لكي نفهم ذلك، كان الحزن القائم يغلّف المناخ العام للأشياء بغلالة السواد، والناس كانوا ينتظرون نهاية العالم بين يوم وليلة! ولذلك كانوا ينوحون ويبكون ويتحسرون على ما فات، يخشون لقاء ربهم في الدار الآخرة، وكانوا يعتبرون الفرح حالة غير طبيعية” (هاشم صالح في مقالته عن مارتن لوثر).
ما هو التنوير؟ هو الاستخدام الحر للعقل واسترداد الإنسان لنوره الخاص، والخروج الشجاع من آلية إشراف الغير إلى إشراق الذات، من آلية الطائفة والمذهب والحزب والمرجعيات (كلمة وزيرة الثقافة البحرينية (الشيخة مي آل خليفة). إنّ هدف التنوير الأسمى كما يقول أركون، هو منح العقل البشري جميع الحمايات والأسباب التي تمكنه من مواصلة الإنتاج المعرفي والثقافي لنفع الإنسانية جمعاء، لا أمة معينة.
وقال: إن الوظيفة الأولى للعقل، هي نقد العقل نفسه فإذا تخلى عنها وتورط في تأييد مواقف أيديولوجية، اعتبر فاشلاً، وأضاف أن هذه النقطة هي المأزق الذي يُعاني منه الفكر العربي.
حلّق أركون بالحضور وطاف بهم شرقاً وغرباً، لكن أهم ما أضافه هو مقارنته بين المسيرتين: الإسلامية والأوروبية، فمع سبق المسلمين في الاعتماد على العقلانية في إنتاج معارف علمية دعمت الإيمان الديني وأعطت الوسائل اللازمة للتفاعل مع العقل الفلسفي والذي أثمر كماً معرفياً هائلاً على امتداد القرون الستة الهجرية الأولى، فإن هذه المسيرة توقفت بسبب التدخل السياسي للسلطة في الفكر الإسلامي، وكان كتاب “فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة” للغزالي، إيذاناً بأفول عصر التنوير الإسلامي لتبدأ أوروبا التي كانت غارقة في ظلمات القرون الوسطى حمل راية “التنوير” ومواصلة المسيرة بدون انقطاع إلى يومنا هذا.
كانت لي مداخلة وضّحتُ فيها أن “العامل السياسي” لا يكفي وحده في تفسير انقطاع التنوير الإسلامي، هناك عوامل عديدة، وأتصور أن “العامل الاجتماعي” وأعني به حجب المرأة وعزلها عن مجريات الحياة العامة وفرض الوصاية عليها، هو العامل الأهم في انحسار الفكر التنويري وتدهور حضارة المسلمين.
أركون وخلافاً لبعض الظنون في أنه يجترئ على المقدسات، هو من أكثر المفكرين الذين لا يرون “الحداثة” بمعزل عن القيم الدينية، بل ينعى على التنوير الأوروبي في مرحلته الثالثة، أي بعد الحرب الثانية والمرحلة الاستعمارية، تنكره لقيم الأنوار تحت تأثير ما سماه “المخيال الاجتماعي”.
وعودة إلى كتاب الدكتور توفيق السيف فإن المؤلف معني بوصل ما انقطع في مسيرة الفكر الإسلامي التنويري، وهو يطرح في الكتاب تساؤلات مهمة، كانت مطروحة بين الحضور في الاحتفالية مثل: هل يمكن لأمة أن تصل إلى الحضارة بدون الدين؟ وإذا كان “التراث الإسلامي” كائنا حيا يعيش فينا ونعيش فيه، ولا فكاك منه، بحسب تعبير أحمد البغدادي، فما مقدار التراث الذي يُشكل حاجة حقيقية لمسلم العصر؟ هذه التساؤلات تأتي على خلفية إشكالية العلاقة بين النهضة والدين والتراث والحداثة، فهُناك من يرى أن شرط النهضة والحداثة، التخلي عن الدين والتراث، بينما يرى آخرون أن الطريق الوحيد للنهضة هو الدين والتمسك بالتراث. يقول الكاتب: إن هذا الربط فيه تكلّف، إذ يمكن لأمة أن تصل إلى الحضارة والتحديث بدون الدين كما حصل في أزمان سابقة وفي زماننا، كما يمكن لأمة أن تحافظ على دينها وتراثها سواء تحضرت أو لم تتحضر، المشكلة الحقيقية عند الكاتب هي قابلية نمط معين من الفهم الديني لإعاقة النهوض الحضاري، ويؤكد: يمكننا إثبات أن نمط التدين السائد في عالمنا الإسلامي اليوم معيق للنهضة والحداثة، لكن هذا التدين مُلتبس بالعادات والتقاليد والتجربة التاريخية بأكثر من انتسابه إلى الوحي، وهذا ما يحاول الكتاب تفكيكه وهو ما ينبغي على الإسلاميين التنويريين العمل على فرزه وتوضيحه.
“الحداثة” ليست مجرد تقدم تقني بل هي أيضاً “نظام قيمي” ونحن بحاجة إلى الأمرين وإذا كان “الدين” بحاجة إلى “الحداثة” لتجديده فإن في تجديد الإسلام، تجديداً لحياة المسلمين وتحويله من مجرد “هوية: مختلفة إلى فاعل في تطوير حياة البشرية كلها.
*نقلا عن جريدة “الاتحاد” الإماراتية
د. عبد الحميد الأنصاري
ديسمبر 19, 2008
عندما ينتهي الحب بالفلسفة
أتاني في بيتي أحد الرجال، فرحبت به وهليت، كنوع من أنواع المجاملة الممزوجة بقليل من الكرم، وأدباً مني سألته: هل تريد يا رعاك الله أن تشرب شاياً أم قهوة ؟! فأتاني رده سريعاً وغير متوقع، عندما سألني هو باحتجاج وغضب واضحين: ماذا تقول؟!، قهوة، قهوة، أعوذ بالله، ألا تعلم يا رجل ان اسم القهوة ما هو إلا اسم من أسماء الخمر؟! مثله مثل اسم الراح والمدام والشمول والصبوح والمشعشعة؟!
رددت عليه وقد اعتراني شيء من الارتباك: معاذ الله يا شيخ أن تدخل هذه الموبقات إلى داري، ولكني منذ صغري سمعتهم يقولون قهوة، فقلتها وشربتها، وما أكثر ما عدلت رأسي بنكهتها، وإنني اصطفي من أنواعها ما اصطلح على تسميتها بـ(القهوة العربية) عندما تكون مخلوطة بشيء من الهيل مع المسمار ـ أي حبة القرنفل ـ، ولا أنسى كذلك قهوة (الاكسبرسو) مع قليل من السكر، بعد عشاء معتبر في مطعم فرنسي يقدم افخر أنواع المآكل والمشارب.
لم يعجبه كلامي معتقداً أنني اهزل وامزح، ومعه الحق لو اعتقد ذلك لأنني بالفعل كنت اهزل وامزح، فالتفت لي ولمحت عِرْق الغضب وقد تورم على جبينه قائلاً لي: يا ليتك تفهم أن بعض الناس يكبون على وجهوههم في نار جهنم يوم القيامة بفعل ألسنتهم وما اقترفته من سوء الكلام.
عند ذلك شكمت نفسي دفعة واحدة، بفعل الخوف الذي داخلني وتلاشى هزلي ومزاحي وبدأت أقدم له الاعتذارات والتأسفات وأعاهده أنني من بعد هذا اليوم لن انطق كلمة (القهوة) هذه بلساني في أي مكان كان.
ومع ذلك كله لم يقبل تأسفي واعتذاري ولم يثق بصدق عهدي، وخرج دون ان يشرب حتى (كباية) شاي ناهيك طبعاً (بالبن المطحون) والمسكوب عليه بعض من الماء المغلي.
* * *
قال عبد الملك بن عمر الليثي: «رأيت رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما بالكوفة في دار الأمارة بين يدي عبيد الله بن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير رضي الله عنهما، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان».
يا لهذا التاريخ (المجيد) الذي يمتلئ بالرؤوس المقطوعة (!!).
وإنني والله لفي عجب للمقدرة الهائلة التي يتمتع بها هذا (الليثي)، فكيف له أن يشاهد هذه الكمية من الرؤوس دون أن يغمى عليه؟!، وإنني شخصياً لو شاهدت أربعة رؤوس مقطوعة لعصافير لطار لبّي وكتبت قصيدة هجاء للحياة.
* * *
ـ أما ما بعد (الفلسفة)، فالحكي عنها يطول
«في الحب نبدأ بالبلاغة، وننتهي بالفلسفة».
http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&article=499527&issueno=10979
ديسمبر 17, 2008
الخاص والعام.. جدلية الاتصال والانفصال
من الواضح في ضوء هذا العرض، أن الغرب استطاع حل هذه المعادلة، من خلال العمل على ضمان استقلالية الفرد من خلال المؤسسات الاجتماعية الفاعلة والمنفعلة بالفردي. فالمؤسسات في الغرب – كظواهر اجتماعية متجاوزة للفردي – لا تلغي الفرد، بل هي ضامنة – من خلال وجودها الموضوعي التنظيمي المحايد – لحقوق الأفراد؛ ولكن في سياق الحقوق العامة للمجتمع، تلك الحقوق التي تحفظ حقوق كل الأفراد، وليس بعضهم بطبيعة الحال.
إن قدرة الغرب على تحقيق هذا الانجاز، هو الذي جعل من حضارته أول وأكمل حضارة حقيقية في التاريخ البشري، تحفظ – إلى أقصى حد ممكن – حقوق الأفراد، كل الأفراد، أي أنه تحفظ حقوق المجتمع من خلال وجوده الفرداني. وبهذا يتضح كيف تحقق هذا التطور المذهل، الذي وُجِد كظاهرة اجتماعية – ولا يمكن أن يوجد إلا كذلك – تخلّقت من خلال البنية العامة للوعي، تلك البنية المتمظهرة في الوجود المؤسساتي الموضوعي (= الوجود الاجتماعي / العام)، ولكن – وفي الوقت نفسه – من خلال الوجود الفعلي والحقيقي للأفراد كأفراد؛ وليس وجودهم كأرقام فاقدة للتمايز في معادلة الوجود الاجتماعي.
من يقرأ الواقع الغربي يلاحظ أن الإنسان الغربي متموضع في قمة وعيه ووجوده الفرداني، ولكنه – في الوقت نفسه، ومن خلال المؤسسات المجتمعية الممعنة في تجاوز الفردي – موجود وحاضر وفاعل في قمة حضوره الاجتماعي. الغربي يكاد أن يكون أنانيا، بل هو أناني كفرداني خالص، من حيث هوسه بفرديته في كل أبعادها، ولكنه إنساني عام – فضلا عن إيمانه الراسخ بالمؤسسة المجتمعية الوطنية – إلى أقصى مدى تحتمله فردانيته !.
في المقابل، كل من يقرأ الواقع العربي والإسلامي؛ يجده موغلا ومغاليا في المجتمعية (= العام)، ولكنها – عند تأمل مكوناتها – مجتمعية من نوع خاص، مجتمعية تلغي المجتمعية تماما؛ قبل أن تلغي الفردانية !. في هذا الواقع المأزوم، لا وجود للفرد، الفرد يتم إلغاؤه بإلغاء أبعاد فردانيته. ولكن، لا يتم هذا الإلغاء لحساب المجتمعية؛ كما يبدو الأمر؛ من خلال لغة الشعارات الما قبل فردية، بل هو إلغاء للفرد كبنية أولية في البنية العامة للمجتمع. وهذا يعني أنه إلغاء للمجتمع والفرد في وقت واحد، وبمبررات حقوق المجتمع الواحد.
يستحيل أن يوجد المجتمع كضمانة اجتماع تعاوني؛ ما لم يكن الفرد هو الحضور الأولي. وفي مجتمعاتنا يغيب الوعي بالمجتمع (= العام) بسبب غياب الوعي بالفرد (= الخاص). قد تبدو الأنانية والالتفاف حول الذات وتورم الأنا – تلك المشاعر المرضية التي تحكم رؤية الأفراد لدينا – فردانية حقيقية في مجتمعاتنا؛ لأنها تمثل ظهورا مباشرا وجليا لمعالم الفردانية. لكنها – في عمقها – ليست أكثر من فردانية غبية قصيرة النظر؛ فردانية تهتك بنية الفردانية العامة (= فردانية جميع الأفراد) التي لا تتحقق الفردانية الخاصة إلا من خلالها.
هنا يتضح الفرق بين أنانية (= فردانية) الإنسان المتحضر/ الغربي، وأنانية الإنسان المتخلف /؟. أنانية الأول، هي فردانية لا تعي فردانيتها إلا من خلال تحقق فردانية الآخرين. بينما أنانية الثاني، هي أنانية لا تعي فردانيتها إلا من خلال إلغاء فردانية الآخرين. وهكذا؛ تبدو أنانية الأول أنانية إيجابية، أنانية تحافظ على استقلالية الذات داخل إطار المجتمع. بينما أنانية الثاني أنانية سلبية، تفترس – أو تحاول أن تفترس – المجتمع. أنانية الأول، كلما ترسّخت؛ كانت ضمانة للعدل الاجتماعي؛ لأنها أنانية الجميع. بينما أنانية الثاني، كلما ترسّخت – كانت خطرا يتهدد العدل الاجتماعي.
كلنا يحفظ مقولة فولتير الشهيرة: ’’ أنا أخالفك في الرأي تماما، ولكني مستعد لبذل حياتي في سبيل أن تتمكن من التعبير عن رأيك ’’. ففي هذه الجملة يؤكد فيلسوف التنوير الأوروبي: فولتير، على فردانيته في الجزء الأول من الجملة، من خلال التأكيد على حقه الخاص في التعبير عن رأيه المخالف. لكنه، في الجزء الثاني من الجملة، يؤكد على أن حقه (الخاص) في التعبير عن رأيه، لا يتحقق إلا من خلال حفظ حق الآخر (العام) في التعبير عن رأيه أيضا. إنه دفاع عن الأنا، من خلال الدفاع عن الآخرين. وتلازم شطري الجملة؛ دليل على تلازمهما أسبابا ونتائج. فلا يمكن أن يتمكن من المخالفة (في إطار قانوني عام، وليس بقوة سلطة فردية) ما لم يتمكن منها كل أحد.
يبدو فولتير في هذه الجملة، وكأنه مستعد لبذل حياته من أجل حرية الآخرين، أي كأنه (عام) يلغي (الخاص)، أو مجتمعي يلغي الفرداني، من حيث هو مستعد لبذل حياته، ليس من أجل أن يعبر (هو) عن رأيه المخالف، وإنما من أجل أن يعبر (الآخرون) عن آرائهم. لكنه في الحقيقة لا يبذل حياته إلا من أجل أناه التي لا تنفصل عن أنا الآخرين.
إن فولتير في هذه الجملة التي تختصر الرؤية العامة لخطاب التنوير، يعي – بعمق – أن حقوقه لا تأتي إلا من خلال التأكيد على حقوق الآخرين. وما لم تكن الحقوق كذلك، أي عامة وشاملة؛ فهي حقوق هشة، ونسبية، وقابلة للاختراق في كل حين. وإذا كان أهم ما يميز (الحقوق) هو ضمان استمراريتها، وشموليتها، وما تورثه هذه الاستمرارية وهذه الشمولية من أمان، فالحقوق الوقتية والنسبية، ليست حقوقا، وإنما هي (وهم) حقوق.
كثيرون؛ عبر تاريخ البشرية الطويل، بذلوا حياتهم من أجل التعبير الحر عن أفكارهم، ومن أجل موضعتها في الواقع. هذا – رغم ندرته – كان طبيعيا ومفهوما في سياق الاعتداد الطبيعي بالرأي الخاص، الذي هو جزء من الذات، أي من رؤيتها الصادرة عن تكوينها الخاص، ومن اعتدادها – تبعا لذلك – بهذه الرؤية. لكن، لم يكن أحد – قبل عصر التنوير الأوروبي – مستعدا لبذل حياته من أجل منح الآخرين حرية التعبير. وفي هذا دلالة على أن هذه الرؤية التي عبر عنها فولتير ليست رؤية شخصية، منزوعة من سياقها التاريخي، وإنما هي نتاج تطور تاريخي كبير، بحيث وصل الوعي الإنساني (المتمثل بالأوروبي آنذاك) إلى هذه الرؤية التي توحّد بين العام والخاص.
في مجتمعاتنا التي لم تصل – وعياً – إلى هذه المرحلة: التنوير الأوروبي. لا وجود لهذا التوحد بين الخاص والعام، الذي لا يحدث إلا بعد مراحل من تطور الوعي العام. لهذا لا تجد إلا فردانية مطلقة، ذات أثر جِدُّ سلبي على الفرد والمجتمع، أو مجتمعية شمولية، تلغي الوجود الفردي المتعين في الواقع؛ لصالح وجود جماعي؛ لا يوجد إلا كمتصور عقلي.
هذا العجز عن تحقيق الاتصال والانفصال ، هو من دلائل التخلف الذي لازال يخنق الوعي في مجتمعي : العروبة والإسلام. تحقيق هذا الاتصال الإيجابي ، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مسيرة عقلانية ، تبدأ من النخبة ، وتصل خلايا النسيج الاجتماعي ، بحيث يعي كل فرد فردانيته بكامل استقلاليتها ، ولكن من خلال الوعي بها في مقابل فردانية جميع الأفراد.
جميع الدارسين والمراقبين الغربيين (الغرب كوجود ثقافي، وليس كجغرافيا، فاليابان غربية)، الذين زاروا العواصم العربية والإسلامية، لا حظوا المسافة الهائلة التي تفصل بين سلوك الأفراد فيما يخص مصالحهم، وسلوكهم فيما يخص مصالح الآخرين، متمثلة في كل مسائل الشأن العام. لقد لاحظوا حتى تفاصيل التعاطي مع مسألة النظافة البيئية، ودهش كثير منهم من أن عناية الأبناء بهذه المسألة، لا يتجاوز عتبة الباب. فالبيوت في غاية الأناقة – قدر الإمكان – بينما ما وراء عتبة الباب ليس موضوع اهتمام، بل هو – في الغالب – موضوع إهمال مقصود، وربما يسيء كثيرون؛ عن سبق تعمد وإصرار.
الفرد في مجتمعاتنا يعي مستقبله من خلال مستقبله المباشر، ومستقبل أبنائه؛ وكأنهم موجودون في فراغ. هذا الفرد، لا يتجاوز وعيه بفردانيته، وعيه بحدود بيته. وحتى وعيه بحدود بيته – على هذا النحو – وعي زائف؛ لأنه – على المدى البعيد – يستدمجه طوفان التراجع والتخلف والانحطاط العام. الفرد هنا ليس فردانيا، وإنما هو أناني سلبي، يهمل الشروط الموضوعية لتحقق فردانيته، وهي شروط تقع خارج نطاقه المباشر، فتكون النتيجة الوقوع السلبي في دائرة التخلف العام.
بهذا نستطيع تفسير كثير من السلوكيات السلبية التي تطال علاقة الفرد لدينا بالشأن العام. فالإهمال الوظيفي، واستغلال الوظائف العامة، وعدم الإحساس ببشاعة اختراق الأنظمة والقوانين، وسرقة المال العام بشتى الوسائل، وتدمير البيئة بقصد أو بغير قصد…إلخ، كل هذه السلوكيات نابعة من وعي أناني سلبي، وعي أناني غبي، لا يعي مصالحه الخاصة، إلا في مدى حدود لحظته الآنية المباشرة، التي تعده بوهم الانفصال بمصالحه عن مصالح الآخرين.
المصدر: